عبد الوهاب الشعراني

332

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [ الحديد : 24 ] ، أي : هو الذي يستحق أن يثنى عليه بهذه الصفة وكان مشهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حين عاتبه ربه بقوله : عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) [ عبس : 1 ] إلى آخره ، إنما هو الصفة الإلهية المذكورة وهو الغنى المطلق الذي لا يكون لغير اللّه قطعا ، فلهذا تصدى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لأكابر قريش لظهور رائحة هذه الصفة الإلهية فيهم فإنها تعطي بذاتها الشرف والرفعة في ذلك الوقت الذي تصدى لهم فيه فكان قصده صلى اللّه عليه وسلم ، بإقباله على الأغنياء إنما هو تعليم أمته أن يتصدوا لكل من اتصف بصفة الغنى من الخلق ثم إذا رسخوا في ذلك المقام أمروا بالترقي إلى شهود عدم تخصيص الصفات الإلهية فإن العالم كله من شعائر اللّه تعالى ، ومن صفته ولا ينفك شيء منه عن مصاحبة معية الحق تعالى له لعدم تحيزه جل وعلا فكل كامل يغار على هضم جناب المنكسرة قلوبهم لأن الحق عندهم كما أخبرنا به الشارع صلى اللّه عليه وسلم ، وأيضا فإنه صلى اللّه عليه وسلم ، مع هذا المشهد كان له حرص عظيم على إسلام قريش فكان يعلم أن أكابرهم إذا مالوا إليه بقلوبهم وأطاعوه وأحبوه وأسلموا فأسلم بإسلامهم خلق كثير ، قال تعالى : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ [ التوبة : 128 ] ، أي : إن عنادكم وعدم إسلامكم يعز عليه لمحبته الخير لكم . ( فإن قلت ) : فكيف أوقع الحق تعالى العتب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، مع هذا المشهد العظيم الذي قدمناه ؟ ( فالجواب ) : إنما عاتبه وأعلمنا بذلك تأديبا لنا فإن الإنسان محل الغفلات ، وهو فقير بالذات ولو صار من أكبر ملوك الدنيا فهو فقير لأن غناه عرضي عرض له من حصول الجاه والمال ، فما استغنى إلا بغيره بخلاف الحق ، جل وعلا فليست الصفة التي ظهرت في الأغنياء صفة الحق حقيقة حتى يتصدى العبد لها ولذلك قال تعالى في الآية : أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى [ عبس : 5 ] بسين الطلب وما قال : أما من هو غني فكان ما أدب اللّه تعالى به نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، الإعراض عن الأغنياء والإقبال على الفقراء أولا ثم أمره أن يقبل على كل من ترك غناه وكبرياءه وجاء إليه . قال الشيخ : وأكثر الناس غافلون عن هذا الأدب الثاني ، فلا يكادون يشهدون له طعما ويتخيلون أن إقبال العارفين على أحد من الرؤساء والأغنياء ، إنما ذلك لأجل جاههم ومالهم